الاثنين، يوليو ٠٢، ٢٠٠٧

( ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون )

ان الطمع والانانية وحب الذات من اكثر ما يدمر اخلاقيات المرء كما انه يدمر ترابط الجماعة ويقضى على التحاب بين افرادها .
كما ان الايثار والعطاء والحرص على الاخرين يحفظ على المرء اخلاقه وعلى الجماعة تماسكها وقوتها
مثال من زنزانة 11 الدور الثالث ابو زعبل :
فى عام 1981 فى سجن ابو زعبل فى زنزانة 11 كان عددنا فى البداية 27 شخص وكنت مسئولا عن الزنزانة وبعد اشهر استطعنا ادخال الشاى واكواب البلاستيك الورقيه للزنزانة لنستمتع بعمل الشاى فى ( حلة صغيرة ) ويتحلق الاخوة ويوقوم الاخ بصب ثلث كوب لكل من للجالسين وكنا لا نستحل لانفسنا البدء فى الشرب حتى نطمئن ان جميع الاخوة نالوا نفس الكمية من الشاى فاذا لم تفى هذه الكمية لاعطاء بعض الاخوة في اخر الحلقة تصارع الاخوة ليفرغ كل من نصيبه لاخوانه حتي تتعادل الكميات ونشرب جميعا هذا القدر الضئيل من الشاى فى سعادة وحب .

- وكذلك بالنسبة لدورات المياه خاصة فى صلاة الفجر لم نشعر فى اى لحظة بزحام رغم كثرة عددنا فكان عدد كبير منا يستيقظ قبل الفجر بساعتين او اكثر او اقل لقيام الليل وحتى يمنع الزحام عن دورات المياه قبل صلاة الفجر ويترك هذا التوقيت للمرضى وكبار السن ولم نشعر لحظة بان عدد دورات المياه يسبب لنا مشكلة .

-وكذلك الرابسو كان عندنا منه كميات قليلة فكان عدد كبير من الاخوة يتركون الرابسو لاخوانهم الاكبر سنا و المرضي لغسيل ملابس اما هم فكانوا يستخدمون صابون السجن في غسيل ملابسهم وكان الاصغر سنا منا ياخذ ملابس الاكبر سنا والمرضي خلسة ويقومون بغسلها بدلا منهم ثم يعيدونها اليهم نظيفة .
- ولكن ذلك لم يدم ذلك كثيرا فقد تغير حالة الزنزانة بالكامل بدخول الانانية وحب النفس حيث حضر الي زنزانتنا شخصين ادخلتهما لنا ادارة السجن كانا شديدا النقد للاخوان من اول يوم لاننا علي حد زعمهم نخالف السنة بكثرة المزاح وتلاوة الاذكار الجماعية بصوت مرتفع وغيرها وغيرها .
وحين التعامل فقد وجدنا فيهما نموزج مختلف قلب حال الزنزانة رأسا على عقب.

-بدءا بانهما لا يحبان شرب الشاي الا في اكواب زجاجية وبعد ان احضرا الاكواب الزجاجية حدث تمايزبينهما وبين باقى أفراد الزنزانة بدات القلوب تتغير اضافة الي انهما كانا يسرعا الي المطبخ لياخذا نصيبهما من الشاي قيل الجميع بحجة انهما يحبان شرب الشاي وهو ساخن وشعر باقي الاخوة بالزنزانة بعدم الامان وان هذين الشخصين يبحثان عن انفسهما اولا ولا يبالون بالباقين واصبح الجميع يتزاحمون علي الشاي كل منهم يريد ان ياخذ نصيبه اولا مخافة الا يحصل علي شاي ومع التزاحم علي الشاي تحدث المشاحنات مما اضطرني بعد ان تكرر هذا المشهد ان اقوم بسكب حلة الشاي في دورة المياة واقرر منع شرب الشاي في الزنزانة منعا للتشاجر والخصام الذي نشا عنه الا بعد وضع قواعد تضبط طريقة توزيع الشاي .

-اما عن دورات المياه فكان هذان الشخصان يستيقظان قبل الفجر مباشرة ثم يتقدما الطابور المتظر امام دورات المياة ويدخلان اولا في غير الدور بحجة انهما يريدان الاستحمام لوجود عذر ويستغرق ذلك وقتا غير قصير، مما دفع باقي الاخوة بتمسك كل واحد منهم بدوره دون السماح لاحد بتجاوزه مهما كان عذره . بعد ان كانت روح التسامح هي الاصل في التعامل مما اضطرني الي تعليق جدول علي مدخل دورات المياة كل من يستيقظ عليه ان يسجل فيه اسمه والساعة والدقيقة التي استيقظ فيها حتي يتسني ضبط دور كل فرد في الدخول حيث ينادي من يخرج من دورة المياة علي التالي له في الجدول للدخول دون اي استثناءات .

اما عن الرابسو فلقد اتجه هذان الشخصان لاخذ كمية الرابسو واستعمالها بصورة مبالغ فيها في غسل ملابسهما بحجة انهما يحبان ان تكون ملابسهما اكثر نظافة ، وادي ذلك الي اعتراض من الاخوة في الزنزانة وطالب كل واحد منهم بحقه في الرابسو مما دفعني الي تقسيم اكياس الرابسو الموجودة في قراطيس صغيرة وأصبح لكل شخص حصة اربع قراطيس في الاسبوع .... ومع ذلك قاما هذان الشخصين باخذ كميات اكثر من المخصص لهما دون اذن وبناء علي اعتراض الاخوة اضطررت الي وضع حراسة 24 ساعة علي الرابسو حتي تسلم لكل واحد كميته وتدون ذلك في اوراق خاصة بذلك حتي بلغ الخوف بالاخوه النائمين بجوار الرايسو ان كل من يتحرك في المكان المخصص لتخزينه ليلا كان الاخوة يمسكونه من ساقه حتي ولو لم يكن يقصد ذلك .
هذه الحالة المضحكة المبكية التي تحولت اليها زنزانتنا الوادعة المتحابة المؤثرة بعد ان دخل اليها عدوي الانانية وحب النفس وهرب الايثار الذى الذى يفسح المكان الضيق ويكثر المتاع القليل

مواقف من الايثار فى السجون

يقدم جسده لحماية اخيه
حكى لى بعض الاخوان ان الاخوان فى زمن عبد الناصر كانوا يعذبون تعذيبا شديدا ومن وسائل التعذيب هذه ايقافهم طوابير والجرى طوال اليوم ساعات طويلة . ويحكى انه اثناء وقوف الاخوان صفا واحدا امام احد السجانين وكان يحمل كرباج غليظا فى يده . عطس احد الاخوان فما كان من السجان الا ان اعطى امرا بان يتقدم الشخص الذى عطس هذا خطوة الى الامام ( ومعروف لدى جميع الاخوان ماذا ينتوى ان يفعل ذلك السجان المجرم بالاخ حين سيتقدم وانه سيوسعه بهذا الكرباج ضربا بلا رحمة ودون توقف ) ولكن هذا السجان فوجئ بان الصف كله يتقدم خطوة الى الامام فاصابته الدهشة من درجة الحب والايثار بين الاخوان كل منهم تقدم بلا تردد لينال العلقة الساخنة لحماية باقى اخوانه مع ان الذى عطس واحد فقط فالكبير يقول :(لنفسه حتى ولو مت من الضرب فلقد استمتعت بعمرى وليعش من هو أصغر منى) والصغير فى السن يقول فى نفسه:( انا اقوى على تحمل الضرب من اخى الاكبر سنا او الاضعف بدنا)وأنا أقول ( لو كانت هذه بروفه متفق عليها فى احد الافلام لما جرت مثلما حدثت مع هؤلاء الاخوان الذين حركهم المحبة والايثار ) .
العسل الاسود :
مرض احد الاخوان فى السجن بمرض ( التهاب كبدى ) وحذر عليه تناول الدهون والبروتينيات ولا يتناول الا السكريات ولم يكن فى السجن سكريات الا العسل الاسود يوزع على كل سجين كمية قليلة فى طبق بلاستيك صغير حتى ان الاخوة كانوا يقولون انك اذا قلبت هذا الطبق لا تنسكب كمية العسل لضئالتها . ولكن بعد توزيع العسل على الزنازين بربع ساعة فوجئ الاخوان بصفارة نزول جميع المساجين الى حوش السجن لعقابهم وصاح السجانين وهم يعاقبونهم قائلين ( ياولاد ال ..... ) انتوا بتحبوا بعض لهذا الحد بعد اقل من ربع ساعة وصلت كل اطباق العسل الاسود الى زنزانة اخوكم المريض) وكان ذلك حتى يتمكن هذا الاخ المريض من ان يجد المادة السكرية الكافية لطعامه بالسجن حتى يعافيه الله من مرضه .
التوقف ثم الرجوع على السلم :
حكى لى أ . د محمود عزت انه اثناء وجوده فى السجن زمان عبد الناصر كان الطعام الذى يوزع عليهم قليل جدا واحيانا كان السجانين ينادون علينا اذا تبقى شئ من الطعام بعد التوزيع ( اللى عاوز زيادة ينزل بسرعة ياخذ ) وكنت فى سن مبكرة وقوة بدنية فامسكت يوما بطبق عندما سمعت هذا النداء واسرعت اقفز درجات السلم من الدور العلوى كى اسبق غيرى للحصول على اضافة من الغذاء . وفجاة توقفت فى منتصف السلم وسالت نفسى انت تسرع لتحظى بطعام قبل اخوانك وتستفيد من قوتك وسرعتك لتحرم غيرك من اخوانك من هذه الزيادة واحسست بالم فى ضميرى فقفلت راجعا الى زنزانتى تاركا اخوانى ياخذ وا هذه الزيادات من الطعام ولم افعل ذلك بعدها ابدا .

الثلاثاء، يونيو ١٢، ٢٠٠٧

وذكر فان الذكري تنفع المؤمنين

لقد عمد النظام الحاكم من بداية عام 1994 علي محاولة القضاء علي وجود الاخوان في مجالس النقابات المهنية بأصدار القانون 100الخاص بالنقابات ثم تعديله ليحكم الخناق على النقابات .

واستخدم مواد هذين القانونين بعد ان جعل دعوة الجمعية العمومية للانعقاد لانتخابات مجالس نقابات جديدة بيد رئيس محكمة استئناف القاهرة الذى رفض دعوة الجمعيات العمومية للنقابات منذ 1995 وحتي الان فتعطلت الانتخابات الا في نقابتين فقط لعلو صوتهما هما نقابة المحامين ونقابة الصحفيين وبذلك اصيب العمل النقابي بالشيخوخة والشلل في اكثر من ثلاثة عشر نقابة مصرية . ولم يكتف النظام المصري بذلك بل قام بفرض الحراسة علي اكبر النقابات المصرية فاعلية وهي نقابة المهندسين واغلقها من يومها في وجوه أعضائها

في أثناء وجودي بالسجن 1995-1998 تم فرض الحراسة علي نقابة أطباء الإسكندرية التي كنت أمينا عاما لها منذ عام 1990 وكان من الطبيعي ان يكون الحارس علي النقابة الفرعية بالاسكندرية هو الاب الشرعي لها وهي النقابة العامة للاطباء ، ولكن إمعاناً في خنق نقابة الاسكندرية التي شُهد لها بالنشاط والحيوية بين النقابات الفرعية في مصر عُين احد المحامين من قوائم الحراسة حارساً علي نقابة الاطباء . علي اثر ذلك أنشئت النقابة العامة للاطباء لجنة ومقر لها بالاسكندرية حتي لا تتوقف الخدمات المقدمة لاطباء الاسكندرية وبعد خروجي من السجن 1998 رأي إخواني في لجنة النقابة العامة بالاسكندرية ان وجودي معهم قد يسبب حساسيات لدي الجهات الامنية مما يدفعها لوضع نادي الاطباء او مقر النقابة تحت الحراسة. ورغم عدم قناعتي بهذا السبب فقد استجبت لهذه الرغبة . ( وعلي الرغم من ذلك فان الجهات الأمنية استولت علي نادي الأطباء والمقر ووضعتها تحت الحراسة مما يوضح ان هذا التخوف لم يكن في محله )..وقد انشغلت بأنشطة دعوية متعددة ودارت الأيام

وبعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية في فلسطين وتكوين الحكومة في شهر مارس 2006 ثم فرض الحصار الدولي عليها ، وفي شهر ابريل وأثناء أدائي لعملي الطبي الصباحي في المركز الطبي بالمنتزة حضرت طبيبة صيدلانية خريجة 2004 مرتدية حجابا ليس لها انتماء لاي تيار ديني اسمها / اميرة كان واضح عليها الخلق والجدية وهي تعرض الدواء التي تقوم بالترويج له حيث تعمل مندوبة تسويق لإحدى الشركات الدوائية.

وبعد أن انتهت د/ اميرة من عرضها سالت عن اسمائنا نحن اطباء الجلدية بالعيادة لتدونها في ورقة معها وحين ذكرت لها اسمي قالت في دهشة ولهفة انت د/ابراهيم الزعفراني قلت لها نعم . قالت أنت بتاع نقابة الأطباء قلت لها نعم قالت انت الدكتور بتاع الاخوان المشهور قلت لها نعم علي الجزء الاول فقط .. قالت الحمد لله انا ابحث عنك منذ ايام وكان ذلك يا دكتور أنا صيدلانية دفعة عام 2004 وخطيبي هندسة دفعة 2004 وقد ذكر اسمك امامي كثيرا وهو يثني عليك وعلي تدينك قلت لها هذا من حسن ظنه قالت لا بجد يا دكتور انت حاجة كبيرة جدا بالنسبة له وبالنسبة لي ايضا بعد ما سمعته من خطيبي . قلت لها اشكركم علي حسن ظنكم بي ،

قالت يا دكتور أنت تعلم إن الدول كلها فرضت حصارا علي الفلسطنيين لتجويعهم ولاسقاط حكومة حماس التي تبنت الخيار الاسلامي والتي ازاحت المفسدين في السلطة السابقة واريد ان اقول لك أنني في كثير من الليالي حين اذهب لانام يأتيني هاجس أن حكومة حماس يمكن ان تسقط وذلك بسبب ارتكابنا لجريمة تركها وحدها دون ان نجمع لها المال لإطعام الشعب الجائع من أطفال وأرامل وأيتام وعاطلين لا يجدون عملا ، فإذا جاءني هذا الكابوس المخيف لا انام ليلتي هذه ويتكرر هذا معي عدة ليالي .

( وكنت في غاية التقدير والاحترام لفتاة في مثل هذا السن ليس حلمها ولا شغلها بخطيبها وفارس احلامها وقضاء الاوقات الرومانسية معه انما يسيطر علي قلبها وعقلها وعواطفها حال اخوانها في فلسطين).

ثم فجاءتني بسؤالين الواحد تلو الاخر وكانهما قذيفتين . واحسست ان الله قد بعث لي ابنتي هذه لتصفعني صفعتين بمنتهي القوة حتى أفيق واستيقظ ولقد ساعدتها فثبت وجهي ولم احاول امالته او تغطيته حتي اتلقي هاتين الصفعتين بكل قوتهما .

كانت الصفعة الاولي حين سالتني قائلة يا دكتور ما هي الخطة التي اعدت لجمع اموال للفلسطينيين حتى لا يجوعوا ويركعوا وتسقط حماس ؟
قلت لها في صراحة ووضوح لا اعرف . (فأحسست أنها قد صدمت من الإجابة )

وكانت الصفعة الثانية حين قالت : ليست هناك خطة تعلمها فما دورك الذي تقوم به أنت شخصيا حتى لا تسقط حماس ؟ قلت لها ليس لي دور محدد أؤديه ( أحسست ساعتها أن هذه الفتاة تتمزق من هول الصدمة وخيبة الامل التي اصابتها جراء اجاباتي التي لم تكن ابدا تتوقعها)

حاولت تلطيف الموقف فقلت لها : يا اميرة يا ابنتي ارجو ان تعطيني فرصة اسبوعين وعند حضورك سوف اجيب علي أسئلتك هذه بكل صدق وصراحة لان هناك امور ستتم خلال هذه الفترة ستجدي فيها ما تقر به عينك .

انصرفت الفتاة من امامي وقد ازدادت الامور لديها غموضا وانا كلي اشفاقا عليها ، تركتني وقد تحركت بداخلي كل كوامن اللوم لنفسي . تركتني وقد اهاجت في نفسي ثورة النشاط والهمة والعزيمة ان افعل شيئا

استاذنت من عملي فور انصرافها وذهبت الي محطة المنتزة فحجزت تذكرة للسفرللقاهرة حيث سافرت ميمماً وجهتي للدكتور / عبد المنعم ابو الفتوح امين عام اتحاد الاطباء العرب . وحين قابلته حكيت له قصة الفتاة د/ اميرة وكنت ابكي وانا احكيها له رغم اني كنت متجلدا متماسكا امام د/ اميرة .

واذا بالابواب تفتح حيث ذكر لي د/ عبد المنعم ان اتحاد الاطباء العرب ( لجنة غوث) الاغاثة والطوارئ اخذت علي عاتقها سد احتياجات وزارة الصحة الفلسطينية وما يحتاجه الفلسطينيون في المجال الطبي من اجهزة وادوية ورواتب اطباء وطواقم طبية وغيرها . وفي حال قيام كل مجال بتولي سد احتياجات المجال المناظر له في فلسطين نكون قد ساهمنا في سد قدر كبير من العجز الذي يمكن ان يحدثه الحصار الظالم .

اما عن مساهمتك انت شخصيا فاهلا وسهلا بك في لجنة (غوث) الاغاثة والطوارئ اتحاد الاطباء العرب فتعالي وتحمل هذا العبء . وعلي الفور

اشتركت مع إخواني الأفاضل في لجنة ( غوث ) الإغاثة والطوارئ لاتحاد الأطباء العرب وبدأت الدعوة لحملة علي مستوي العالمين العربي والإسلامي تحت شعار ( حملة المليار لفك الحصار ) وتم التنسيق بين الهيئات الإسلامية والعربية للوقوف بجانب إخواننا الفلسطينيين فحمدت الله إن جعل لي دورا مع إخواني وحمدت لابنتي / أميرة التي جعلها الله سببا في ذلك الخير الذي ساقه الله إلي

ولعلها شاركت معنا في خدمة هذه الحملة التي تولاها المخلصون من أبناء هذه الأمة متحدين الحصار الدولي الظالم علي المستوي الدولي والذي خضعت له وشاركت فيه حكومات الدول الإسلامية

وصمد الفلسطينيون ولم يفلح التجويع في تركيعهم كما لم يفلح من حاولوا مواجهة رسول صلي الله عليه وسلم ومن معه بذات الأسلوب في قوله تعالي : " هم الذين يقولون لا تنفقوا علي من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يعلمون " سورة المنافقون ، كما فشل هذا الأسلوب ( من قبل في حصار الرسول صلي الله عليه وسلم ومن معه في شعب أبي طالب ثلاث سنوات عجاف حتى أكلوا أوراق الشجر ) في إثناء عزيمة النبي صلي الله عليه وسلم وصحبه عن عقيدتهم ومبادئهم .

فسياسة التجويع لإثناء أصحاب العقائد والمبادئ عن طريقهم هي طريقة فاشلة خسيسة لا يتبناها في مواجهة الآدميين إلا لئيم خسيس لا يعرف للخلق طريقا ولا للإنسانية والمروءة سبيلا .

الخميس، يونيو ٠٧، ٢٠٠٧

رجال مع القران

رحلة مع الدكتور/ محمود الزهار

في صيف العام الماضي 2006 حضر إلي مصر د/ محمود الزهار وزير خارجية فلسطين واستضافه اتحاد الأطباء العرب في ندوة بدار الحكمة , ذهبت لحضور الندوة ممثلا للجنة الإغاثة والطوارئ ( غوث ) لدعوته ولاصطحبه إلي الإسكندرية حيث يلقي كلمة في ندوة أقامتها نقابة المحامين ولجنة الإغاثة الإنسانية بنادي المحامين وفي صباح اليوم التالي توجهنا في طريقنا إلي الإسكندرية ، حكي خلالها قصة مقابلته بالأمس للسيد / عمرو موسي أمين عام جامعة الدول العربية
،و كان برفقته عدد من الدبلوماسيين العرب حيث كانت مقابلة جافة للغاية حدثه فيها السيد/ عمرو موسي (عن ضرورة ان تكون
حماس واقعية ولا تعيش في أحلام ،حيث لا يفكرفي عودة فلسطين إلا أناس لا يفهمون عالم السياسة والأبعاد الدولية أو أناس
مجانين )وطالبه بالقبول الواضح والصريح للمبادرة العربية والتي تدعو إلي الاعتراف بإسرائيل إذا تراجعت إلي حدود ما قبل حرب يونيو حيزران 1967 .
وذكر د/الزهار ان عمرو موسي كان يحدثه وكأنه يعطي درسا لأحد التلاميذ ،وبعد أن انهي السيد/ عمرو موسي حديثه
قال د/ محمود الزهار :( يا سيادة الأمين العام أنت درست التاريخ وتعلم ان ما من دولة احتلت علي وجه الأرض إلا وقد أتي عليها يوم تحررت فيه من الاستعمار فلماذا نستثني فلسطين من هذه القاعدة .

لماذا يا سعادة الأمين أرغم علي بيع بيتي لأنني طردت منه ،أنا لن أبيع بيتي أبدا سأتركه لأولادي فان لم استرده أنا فسيسترده أولادي أو أولادهم ، لماذا ترغموننا علي بيع أرضنا ؟

ثم إن الصهاينة منذ جاءوا إلي وطننا ولم يستقر لهم قرار ولم يهنئوا بالأمان يوما من الايام

وأكثر من ذلك وقبل كل ذلك وبعد كل ذلك إن الله وعدنا بالانتصار علي اليهود في فلسطين في سورة الإسراء . فإذا كان رب السموات
والأرض قد انهي إلينا بهذا الخبر فكيف بعد ذلك نبيع فلسطين ، ووعد الله الصادق لا يتخلف و الذي نثق فيه أكثر من ثقتنا فيما تراه أعيننا وما تسمعه أذاننا وما تفكر فيه عقولنا فيقول رب العالمين ( فإذا جاء وعد الآخرة ليسيئوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا ) صدق الله العظيم

يقول د/ الزهار عندما وصلت للحديث عن القران أحسست بالجالسين ينظرون إلي كأنهم يستمعون إلي رجل مخبول يعيش في عالم الخيال مع إني كنت أحدثهم عن خبر من عند رب العالمين

واستطرد يقول أنا يا سيادة الأمين بالنسبة لوصفك لنا بأننا أناس مجانين , فكل من بدا نضال وجهاد لتحرير بلده كان الناس يعتبرونه مجنونا . فسعد زغلول في مصر 1919 كان يعتبر مجنونا وهو يواجه الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس وعمر مكرم كان مجنونا وهو يقاوم الفرنسيين وعمر المختار في ليبيا كان مجنونا حين بدا نضاله ضد الايطاليين وفي الجزائر بلد المليون شهيد ان كل هؤلاء وغيرهم من بدءوا خطوات التحرير من استعمار قوي باطش كان الناس ينظرون إليهم علي إنهم مجانين ولولا هؤلاء المجانين ما تحررت مصر , وليبيا , والجزائر وغيرهم وغيرهم . فيشرفنا يا سيدي أن نكون من هؤلاء المجانين،
يقول د/ الزهار: وكنت مستنكرا للطريقة التي تحدث بها السيد عمرو موسي وبعد نهاية كلامي استأذنت للانصراف وطلبت من السيد عمرو موسي أن أتحدث إليه علي انفراد فقام معي . فقلت له يا سيدي أريد أن أبلغك إن الذي كان يتحدث معي منذ قليل ليس هو السيد عمرو موسي الذي اعرفه كان شخصا أخر ... فإذا به يقول لي : أرجو ألا تسئ بي الظن فعمرو موسي الذي تعرفه هو عمرو موسي الحقيقي الذي تعرفه ويكفني ان تعلم حقيقة موقفي وقناعاتي .

أحسست وأنا أحادث د/ محمود الزهار طبيب جراحة الحنجرة خريج جامعة عين شمس ( القاهرة) والذي يكبرني بسنوات قليلة انه حين تكلم عن القران كان يسبح في عمق البحر واري نفسي بالنسبة له أسبح قريبا من الشاطئ ، أحسست كيف إن الجهاد والاستشهاد والدماء علي ارض فلسطين نقلت إخواننا أمثال د/ الزهار إلي أحضان القران ينام معه ويصحو معه ويعيش بين دفاته يتنسمه ، يتنفسه ، يعشقه ، يستيقن بكل حرف فيه , كما قال لي الزهار القران والحديث هو العين التي نري بها الدنيا وهو العقل الذي نفهم من خلاله الأحداث .

وصلنا إلي الإسكندرية

والقي الرجل كلمته وأثناء انصرافه من نادي الأطباء تقاطر وتزاحم عليه الشباب سلاما وأعناق وحديث .

كان الناس يصافحون فيه شهداء فلسطين وأبطال فلسطين وشهيدات فلسطين وأطفال انتفاضة فلسطين وأمهات شهداء فلسطين .

حتى كاد تدافعهم عليه أن يودي بحياة الرجل وبعد ما يقرب من الساعة استطاع الرجل الوصول إلي سطح النادي وحين رايته قلت له ممازحا يا دكتور/ زهار عجيب انك لازلت حيا حسبتك نلت الشهادة في الإسكندرية وشرفت الإسكندرية بروحك الطاهرة . فابتسم وقال رغم ما حدث لي فاني في غاية السعادة أن احمل هذه الرسالة من الإسكندرية إلي إخواني وأبنائي في ارض الجهاد بفلسطين .

سافر د/ الزهار إلي القاهرة وفي اليوم التالي أذيع نبا استشهاد زوج ابنته وهو احد مهندسي صواريخ القسام والذي قام بتطويرها فأصبحت أكثر قدرة علي إصابة أهدافها . وعندما تنامي إلي الخبر اتصلت به هاتفيا وقلت له: أخي الحبيب د/ محمود الزهار لقد علمت
باستشهاد زوج ابنتك وأنا لا اعرف بماذا أبدأ هل أعزيك بفقده أو أهنئك باستشهاده ،
فإذا به يرد بثبات ورباطة جاش (ادعيله ربنا يتقبله مع الشهداء ويدخله الجنة ولكن قل لى إخوانك بالإسكندرية بالأمس كادوا يجهزون
علي وأنت فرحان في ( وإذا به بعد كلمات قليلة من استشهاد صهره يمازحني في الهاتف ) ولم يزد علي قوله( ادعيله ربنا يتقبله مع الشهداء ويدخله الجنة )

أحسست ساعتها مدي بساطة وحقارة الدنيا في نظر هؤلاء وحجم الشهادة والجنة في قلوبهم ...



الأستاذ / سيد قطب فى ظلال القرآن

وفي اليوم التالي ساقني القدر للجلوس مع أخي الكبير أ / عبد المنعم عرفات من إخوان 1965 والذي قضي في السجن أكثر من عشر
سنوات متتالية وكان يسمونه هو واخوانه في أدبيات الإخوان ، إخوان العشرات ( أي المحكوم عليهم بعشر سنوات سجن في عهد عبد الناصر ) المهم إني حكيت له ما جري بيني وبين د/ محمود الزهار في التليفون بعد استشهاد صهره .

فإذا بي اسمع منه قصة مشابهه يرويها لي عن الأستاذ الشهيد / سيد قطب رحمه الله حيث قال : كان أ / سيد قطب يعيش حياته فعلا تحت ظلال القران فالقران ومعانيه وقصصه وأوامره ومعانيه ملكت علي أ / سيد قطب كل أحاسيسه فكان يعيش داخل دفات القران الكريم . وفي احدي الأيام ونحن في السجن مات ابن أخيه الأخ / رفعت بكر قطب تحت التعذيب علي أيدي زبانية عبد الناصر . فاجتمعنا مجموعة من شباب الإخوان بالسجن وتوجهنا إلي مستشفي السجن حيث كان يقيم أ / سيد قطب لننقل له خبر وفاة ابن أخيه علي اثر التعذيب ، وحين أبلغناه الخبر كان رد فعله بكلمات قليلة ولكنها تكشف عن قلب عامر بالإيمان مستيقن من الطريق قال : ( الله يرحمه رفعت شاب صالح( يستهلها ويعني الشهادة) اين نحن من إيمان رفعت ) .

استولي الإيمان علي قلب د/ الزهار كما استولي علي قلب سيد قطب فنطق الزهار بما سبق أن نطق به سيد قطب .

زادني الله وإياكم إيمانا ويقينا نعيش به حياة سيد قطب والزهار ونلقي الله عليه في مقعد صدق عند مليك مقتدر ..